الشيخ محمد رشيد رضا
162
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
حتى يكونوا كالتبر الخالص وبهم يقيم دينه ولذلك قال ( وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ) له نعمه عليهم بالقوى العقلية والجسدية وبالايمان والهداية ، القائمين بحقوقها في حياة رسوله وبعد موته على حد سواء ، يأتون في كل وقت ما يمكن الاتيان به ، لا يألون جهدا ؛ ولا يقصرون في شئ عمدا ، إذ لم يكن عملهم لوجه الرسول فيبطل إذا غيبه الموت عنهم ، وإنما هو لوجه اللّه ذي الجلال والاكرام وهو لا يموت ولا يزول الأستاذ الامام : في هذه الآية ارشاد لنا إلى أن لا نجعل المصائب الشخصية دليلا على كون من تصيبه على باطل أو على حق ، فان من الجائز عقلا والواقع فعلا أن يبتلى صاحب الحق بالمصائب والرزايا ؛ وأن يبتلى صاحب الباطل بالنعم والعطايا ، كما أن عكس ذلك جائز وواقع . وتعلمنا أيضا أن لا نعتمد في معرفة الحق والخير على وجود المعلم بحيث نتركهما بعد ذهابه أو موته وإنما نعتمد في معرفة الحق والخير بهما والسير على منهاجهما في حال وجود المعلم وبعده . فاللّه تعالى يقول : عليكم ان تستضيئوا بالنور وتتقلدوا سيف البرهان اللذين جاءكم بهما محمد ، وأما ما يصيب جسمه من جرح أو ألم ، وما يعرض له من حياة أو موت ؛ فلا مدخل له في صحة دعوته ، ولا في إضعاف النور الذي جاء به ، فلا معنى إذا لتعليق ايمانكم بحياته أو سلامة بدنه مما يعرض له من حيث هو بشر مثلكم ، خاضع لسنن اللّه كخضوعكم أقول : قد غفل عن هذا من أهمل هداية القرآن من المسلمينجنسية لا إذعانا ومعرفة ) فتراهم إذا ساء اعتقادهم في رجل كأن خالف تقاليدهم أو أنكر عليهم أهواءهم يتربصون به الدوائر فإذا أصابته مصيبة زعموا أن اللّه تعالى قد انتقم منه حبالهم وبغضا فيه ! فإن كان مع ذلك متهما بالانكار على من يعتقدون صلاحهم وولايتهم قالوا إنهم قد تصرفوا فيه ! ! ويغفلون عما أصاب النبي في أحد وما أصاب كثيرا من الأنبياء قبله ، بل يعمون عما يصيب معتقديهم وأوليائهم في عهدهم . لما حبس الأستاذ الامام في عاقبة الثورة العرابية قال بعض هؤلاء المغرورين انه حبس كرامة للشيخ عليش لأنه - أي الشيخ عليش - كان يكرهه . فبلغه ذلك وكان الشيخ عليش محبوسا أيضا فقال : لماذا أكون حبست كرامة له ولم يكن هو الذي حبس كرامة لي لأنه أساء في الظن وقال السوء لتصديقه فىّ الوشاة النمامين وأنا لم أقل فيه شيئا ؟ السبب في